حسن الأمين

146

مستدركات أعيان الشيعة

كان من أكابر علماء الحائر الشريف ومراجع التقليد والفتيا والتدريس أخذ المقدمات على أفاضل كربلاء وتتلمذ على والده وأدرك الشيخ مرتضى الأنصاري وتخرج على الشيخ حبيب الله الرشتي وأخذ الحكمة والفلسفة في المدرسة الصالحية بقزوين عن الشيخ آغا الحكمي وعمه الشيخ عبد الوهاب البرغاني وغيرهم ، تصدر كرسي التدريس والفتيا في كربلاء بعد شقيقه الشيخ الميرزا علامة الحائري آل الصالحي وعكف عليه الطلاب واشتغلوا عنده بدراسة الفقه والأصول واشتهر امره كان قوي الأسلوب واسع الذهن حاد الذكاء محيطا بالعلوم القديمة والحديثة معقولا ومنقولا لذا عرف بمدرس الطف . ساهم المترجم له في مشروع شقيقه الشيخ ميرزا علامة الصالحي الحائري في ترويج الزراعة واحياء البساتين في كربلاء ، واستقدام الشيعة إليها وإسكانهم فيها وبناء دور لهم في محلة خاصة تعرف حتى اليوم بمحلة چاچين في شمال مدينة كرلاء القريبة من نهر الحسينية حيث تتشكل كلمة چاچين من كلمتين فارسيتين وهي چاه بمعنى البئر وچين بمعنى الصف وهؤلاء هم العمال الفنيون الإيرانيون الذين جلبهم المترجم له وشقيقه ميرزا علامة من قزوين وأصفهان ويزد وكانوا يصفون الآجر في أطراف الآبار التي كانوا يحفرونها في البساتين لأرواء الأشجار في الصيف حينما كان ينقص ماء نهر الحسينية في ذلك العصر لأنه لم تكن آنذاك سدة الهندية قد أنشئت . ومن آثاره في كربلاء تشييد سقف الطارمة المقابل لباب القبلة المعروفة بالايوان الذهبي في روضة العباس والروضة الحسينية ومن مؤلفاته كتاب بدائع الأصول في أصول الفقه وكتاب فقه القرآن في آيات الأحكام . ( 1 ) علي بن الحسين أبو الفرج الأصفهاني . مرت ترجمته في المجلد الثامن ، وننشر هنا عنه هذه الدراسة بقلم الدكتور نبيه عاقل . إذا ذكرت العوامل التي هيات للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر للميلاد ، ذكرت النهضة الفكرية التي عاشتها فرنسا في هذا القرن ، وأشير بحروف عريضة إلى الدور الكبير الذي لعبه الموسوعيون ( الأنسيكلوبيديون ) ، من أمثال ديدرو Diderot ودالمبرت DLalembert وغيرهما ، في فتح عيون الناس على نور المعرفة وتبصيرهم بواقعهم وبالتالي شحذ هممهم للوقوف في وجه جلاديهم . الموسوعيون من العرب وإذا كان على أوروبا ان تنتظر حتى القرن الثامن عشر حتى تتعرف على ثمار الفكر الموسوعي ، فان عالمنا العربي كان يتنعم بنتاج هذا الفكر منذ أوائل القرن العاشر الميلادي حين نبغ الكثيرون من الموسوعيين العرب الذين لم تقتصر همتهم على ميدان واحد من ميادين المعرفة بل نقلوا أقلامهم بين مجالات متنوعة تنوع الطب والعلوم والفلسفة والتاريخ والأدب وعلوم البلدان والحيوان والنبات وغير ذلك . كان الواحد منهم لا ينتهي من تذكرة في الطب حتى يشرع في بحث فلسفي ، ولا يجف مداد ما سوده من أوراق في التاريخ حتى يملأ الصفحات الطوال في علم البلدان وهكذا . أبو الفرج الأصبهاني موسوعي كبير وأبو الفرج الأصبهاني ، أو علي بن الحسين بن محمد الذي ينتهي نسبه إلى مروان بن محمد آخر من استخلف من بني أمية ، علم من أعلام الموسوعة العرب يستحق منا وقفة نطل منها على حياته ونتاجه الخصب المتعدد الآفاق . متى ولد أبو الفرج ، ومتى مات ؟ أما متى ولد أبو الفرج فأمر اتفق عليه دارسو حياته من قدامي ومحدثين . انه العام 284 للهجرة . أما اين ولد ومتى توفي فأمر فيه أكثر من قول . فابن النديم مثلا يمد في حياة أبي الفرج إلى ما بعد العام 360 للهجرة ، في حين أن أبا نعيم يجعل وفاته في سنة 357 ه‍ ، وابن أبي الفوارس يحدد اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 356 هلانتهاء حياة عالمنا الجليل . ونحن وإن كنا لا نملك إلا المنطق والحجة غير المباشرة في تفضيل رواية على رواية من هذه الروايات الثلاث ، فانا نميل إلى الأخذ برأي ابن النديم وتأخير وفاة الأصبهاني إلى ما بعد سنة 360 هلأسباب أهمها ان ابن النديم كان معاصرا له ، وبينهما صلات معرفة ، ولأن كليهما من سكان بغداد حيث توفي صاحبنا وعاش الشطر الأكبر من حياته ، وهذا الرأي نخالف فيه الكثيرين من دارسي حياة أبي الفرج من المحدثين الذين مالوا إلى رواية ابن أبي الفوارس وأغراهم بريق اليوم والشهر اللذين يحددهما هذا الراوي الذي كان من تلامذة الأصبهاني وروى عنه بعض السير والأخبار . أين ولد أبو الفرج ؟ وما قلناه عن اختلاف الرأي في تاريخ وفاة أبي الفرج يصح على المكان الذي ولد فيه ، فأبو الفرج ، في رأي بروكلمان ، وهوارث ، وصدر الدين ، وماريا نالينو ، وأحمد أمين وغيرهم ، من مواليد أصبهان التي ينسب إليها ويشتق منها اسمه . ولست أعلم مصدرا قديما واحدا يشير إلى هذه الحقيقة من قريب أو بعيد ، اللهم الا إشارة لا تحتمل هذا المعنى ترد في يتيمة الدهر للثعالبي الذي يقول أثناء حديثه عن أبي الفرج انه « أصبهاني الأصل » وقد نقل ابن خلكان فيما بعد هذه الإشارة وأثبتها في وفيات الأعيان . وكلمة « الأصبهاني الأصل » لا تعني بالضرورة انه ولد في أصبهان ، وأغلب الظن أن المقصود منها انه أصبهاني الأصول أو ان أسرته قطنت أصبهان لأمد ، وذلك لأن طبقة الثعالبي من المؤلفين كانت تستعمل هذه الكلمة - « الأصل » - بهذا المعنى ، وحين تريد الإشارة إلى مكان ولادة المترجم له تقول : فلان . . . كوفي المولد ، أو شامي المولد ، وهكذا . وأبو الفرج نفسه من هؤلاء المؤلفين ، فهو حين يترجم للمغني محمد الرف مثلا يقول عنه انه « كوفي الأصل والمولد والمنشأ » ليدلنا على مكان ولادة المترجم له ونشأته . وقد يسال سائل بحق : إذا لم يكن أبو الفرج أصبهاني المولد والمنشأ فمن أين جاءت النسبة « أصبهاني » إلى اسمه ، وأين ولد فعلا ؟ ! انتساب أبي الفرج إلى بني ثوابة من جهة أمه نحن نعلم أن أسرة أبي الفرج لأبيه كانت تقطن مدينة سامراء حاضرة الخلافة ومقر دواوين الدولة ، كما نعلم أن الكثيرين من أقربائه كانوا يعملون كتابا في هذه الدواوين . وسامراء أيضا مستقر آل ثوابة أسرة أبي الفرج لأمه ، إذ أنا نقرأ في الأغاني أن جده لأمه يحيى بن محمد بن ثوابة ، كان يعمل كاتبا في ديوان الخليفة في هذه المدينة . وما دامت أسرة الأب وأسرة الأم تعيشان في سامراء زمن ولادة صاحبنا فلا تجنى على الحقيقة إذن في قولنا مع الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه « أبو الفرج الأصفهاني الراوية » أن سامراء هي مكان ولادته على أرجح الوجوه . وانتساب أبي الفرج إلى بني ثوابة من جهة أمه يفسر لنا ميله الشديد إلى الشيعة وحبه المتناهي لآل علي . فبنو ثوابة ، كما يقول ياقوت الرومي ، كانوا في الأصل نصارى ، وحين أسلموا انتموا إلى المذهب الشيعي . فتشيع الأصبهاني إذن أثر من آثار احتكاكه باسرة أمه ، ولولا معرفتنا لهذه الحقيقة لظللنا حائرين مع ابن الأثير الذي يعجب لأموي ، كأبي الفرج ، يتشيع ويظهر هذا الحب والاحترام

--> ( 1 ) الشيخ عبد الحسين الصالحي .